كانت المدن الساحلية المختلفة في "إمارات الساحل المتصالحة" تنعم باقتصاد مزدهر طوال القرن التاسع عشر وحتى نهاية العقد الأول من القرن العشرين، ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى صناعة صيد اللؤلؤ المغرية في المنطقة. ولكن فترة الازدهار التي شهدتها صناعة صيد اللؤلؤ انتهت بسبب الحرب العالمية الأولى، ثم لحق بتلك الصناعة المزيد من الخسائر بسبب الكساد الاقتصادي الذي ساد العالم في أعقاب الحرب في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. ولكن اختراع مزارع اللؤلؤ من قبل اليابانيين، كان القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت إلى اندثار هذه الصناعة، مما جعل المدن الساحلية أبوظبي ودبي ورأس الخيمة تئن تحت وطأة الخسارة.
رُزق حاكم أبوظبي الشيخ سلطان آل نهيان بطفل، قُدّر له أن يصبح أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، مع بداية قيام إمارة اقتصادية معروفة في أبوظبي، أي حوالي عام 1918. وأُطلق على الوليد اسم جده، الشيخ زايد، وكان الابن الأصغر بين أربعة أبناء. وأظهر في سن مبكرة اهتماماً كبيراً في تحصيل المعرفة، وفهم خفايا الصحراء والبحر، وفي كيفية تأثر الناس بالبيئة المحيطة بهم.
كان عمر الشيخ زايد 28 عاماً فقط، عندما أصبح ممثل الحاكم في العين، وكان يدير شؤون العين وست قرى محيطة بها بالإضافة إلى قرى من المنطقة المجاورة ويلبي احتياجاتها. واستغل هذا القائد الشاب تلك الفترة واكتسب درايةً عميقةً بشؤون الحكم والقبائل الموجودة حينذاك، وفي الوقت ذاته كان يضع وينفذ الخطط التي جعلت العين مجتمعاً نموذجياً يُحتذى به في مجال الزراعة، وتوفير مصادر المياه، والتعليم، بالإضافة إلى مجالات أخرى مهمة ترتبط بالتنمية.
وبعيداً عن الأضواء، كان هناك جهود متواضعة للتنقيب عن النفط في إمارة أبوظبي، يعود تاريخها إلى ثلاثينيات القرن العشرين. وفي ذلك الحين، تم إنشاء تجمع شركات (كونسورتيوم) يضم شركات نفط غربية تعمل في العراق (تحت اسم شركة نفط العراق) وقد عملت هذه الشركة في التنقيب عن النفط في جنوب الخليج العربي، ووجدت حقول نفط واعدة في أبوظبي. وتم توقيع اتفاقيات منح امتياز استخراج النفط بين حاكم أبوظبي وتلك الشركة، لعدة سنوات، وأسفرت تلك المرحلة عن إنشاء أول شركة نفط في أبوظبي، تُدعى شركة تنمية النفط في الساحل المتصالح، عام 1951. وبعد ذلك بأحد عشر عاماً، انطلقت أول شحنة نفط خام من أبوظبي في طريقها إلى السوق العالمية.
في عام 1968، أعلن البريطانيون عن عزمهم على الانسحاب من المنطقة خلال ثلاثة أعوام. وعندما أصبحت فكرة الحصول على الاستقلال واضحة، سارع الشيخ زايد، الذي جاء خلفاً لأخيه وتسلم منصب حاكم إمارة أبوظبي عام 1966، إلى دعوة حكام الإمارات الأخرى لتشكيل دولة اتحادية قوية في 2 ديسمبر 1971، وكان ذلك يوم ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأحسَنَ الشيخ زايد –الذي انتُخب رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة من قبل أخوانه حكام الإمارات الأخرى- توظيف المداخيل الوفيرة التي يدرّها الاقتصاد القائم على النفط، لزيادة رفاه شعبه من خلال التعليم وتطوير البنية التحتية، وشهدت سنوات حكمه التي امتدت 33 عاماً تطور الدولة بوتيرة غير مسبوقة. وتحولت إمارة أبوظبي من جماعة شبه بدوية كانت تعتمد على الملاحة البحرية وصيد اللؤلؤ في الصيف وعلى زراعة نخيل التمر في فصل الشتاء، وأصبحت الآن موطناً لواحد من أهم المراكز التجارية الواعدة والفائقة التقدم في العالم، ووجهةً مفضلة للسياح لقضاء العطلات. وكل ذلك تحقق في أقل من ثلاثة أرباع القرن.
|